بيان
رابطة علماء المغرب حول منع بيع المصحف الكريم وعرضه
في معرض الكتاب المنظم بالدار البيضاء ما بين 4 و12
نونبر 2000
دأبا
على سنة رابطة علماء المغرب في الدفاع عن الدين وشعائرهم
والمقدسات الدينية والوطنية للأمة، وكل ما يمثل حضارتها
وثقافتها وشخصيتها المتمسكة بالكتاب والسنة وما أجمعت
عليه الأمة، وما أصله فقهاء مذهب الإمام مالك من قواعد
واستنبطوا من أحكام، ورعيا لما كان عليه السلف الصالح
وملوك المغرب خاصة على عهد الدولة العلوية الشريفة وإلى
أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس ـ أعزه الله
ونصره ـ من تعظيم للقرآن الكريم وتبجيله، وإكرام حفظته
وعنايتهم بقراءاته، وأمر الملك الحسن الثاني ـ رحمه
الله ـ بطبع طبعة تحمل اسمه الشريف يعرف باسم المصحف
الحسني المسبع.
ونظرا لأن الكتاب العزيز هو الحبل المتين والذكر الحكيم
والصراط المستقيم، ورعيا لأمانة التبليغ المرتبطة أساسا
بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وما فسرا به من التراث
الإسلامي الذي لم يضق درعا بثقافات الأمم، والذي يتسم
بالانفتاح والمناظرة والجدل قصدا إلى الحق، والرغبة
في الرفع من مستوى العقل والأخلاق والسلوك.
وعملا
بما في الكتاب العزيز من الدعوة إلى التمسك بكتاب الله
وقراءته وترتيله والتعبد به وتعلمه وتعليمه وحفظه، وما
في السنة من بيان فضائله وفضائل التمسك به وتلاوته آناء
الليل وأطراف النهار لقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي
للتي هي أقوم) وقوله: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه)
وقوله: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك
مقاما محمودا) وقوله: (يا أيها المزمل قم الليل إلا
قليلا نصفه أو أنقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن
ترتيلا) وقوله: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن) وقوله:
(وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن). وقوله
ص: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وقوله ص
"مثل الماهر بالقرآن مثل السفرة الكرام البررة"
وقوله ص: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله
القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه
الله مالا فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار".
ونظرا
لمحاولة بعض الجهات الحد من تداول المصحف الكريم بمنع
بيعه وعرضه، بل والدعوة إلى وضع قانون يحرم بيعه لأسباب
واهية، قياسا على إسقاطات ذاتية وممارسة سابقة لليسار
في مجال الطباعة ونشر الكتاب الماركسي الأيديولوجي زمان
طغيان هذا التيار.
بالنظر لذلك تلقت رابطة علماء المغرب باندهاش واشمئزاز
إقدام بعض الجهات على اتخاذ قرار منع بيع المصحف الكريم
ـ الذي أطلق عليه بعضهم اسم الكتاب المقدس ـ في معرض
الدار البيضاء الذي ينظم كل سنتين، وقد حاولت تلك الجهات
فيما بعد بسبب موجة الاستياء التي قوبل بها القرار المذكور
صرف النظر عن قرارها بادعاءات منها: أنها منعت البيع
ولم تمنع العرض، ومنها أن منعها كان لأغراض تجارية بسبب
الضرر الذي يلحق الناشر المغربي من مزاحمة الكتب المطبوعة
بالمشرق للكتاب المغربي، ومنها أن المنع كان لرواية
حفص دون رواية ورش، ومنها أن الغرض حرمان بعض الهيئات
التي تستفيد من بيع المصحف من الحصول على تمويلات بها،
ومنها أن الغرض تحقيق أكبر قدر ممكن لرواج كتب الحداثة
التي تخنق كتب التراث أنفاسها، وهي ذرائع تلاحقت تبريرا
للمنع المذكور الذي لا يمكن إلا أن يقابل بالاستهجان
والاستنكار، ويكفي دليلا على أن النية كانت متجهة إلى
المنع، ثم ظهرت التبريرات لمواجهة انتقاد هذا العمل
الشنيع، ذلك أن بعض الناشرين المغاربة تلقوا رسالة من
المندوب العام للمعرض الدولي للنشر والكتاب يقول فيها:
"تبين لهذه المندوبية أن لائحتكم تتضمن مجموعة
من المصاحف، للإشارة، فـإنه لا يسمح ببيع المصحف في
المعرض حفاظا على حقوق الناشرين والمكتبيين المغاربة
المتضررين من ذلك". وأن جريدة بيضاوية قالت: "ونظرا
للضرر الذي تعرفه السوق المغربي مباشرة بعد المعرض،
خاصة في مجال بيع المصحف الكريم، فقد تقرر عدم بيعه
بالمعرض". وأكد حقيقة منع بيع المصحف كاتب ركن:
"حديث المحرر" الذي يبدو أنه يعبر عن وجهة
نظر رسمية عندما قال بالحرف: "كم كان بودي أن يصدر
قانون واضح في هذا الإطار يحرم بيع كتاب الله، ومن أراد
أن يستثمر أمواله في طبع ونشر المصاحف عليه أن يفعل
ذلك لوجه الله تعالى".
وإن
رابطة العلماء التي جعلت من أهدافها الدفاع عن الإسلام
ومواجهة خصومه ومجابهة خطط العلمنة والتغريب وطمس الهوية
ومحاولات إبعاد الجمهور عن تعاليم كتاب الله وسنة رسوله،
لا يمكنها إلا أن تستنكر هذه المواقف التي لم تكن منتظرة
من جهة مسؤولة ببلادنا، والتي يطلب منها الحفاظ على
هوية الأمة الدينية والحضارية وتراثها الثقافي شأن كل
أمم وشعوب الأرض المتحضرة، وأن تحترم شعور الأمة الإسلامية
التي تحترم الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، والذي به يعرف الحلال من الحرام،
وتعرف نظم الدولة وقوانينها، وتزكو به أخلاق الأمة،
وتتحقق به الألفة والوحدة، ويضمن به الأمن الروحي والذي
هو فوق التيارات والمذاهب، والذي كانت الأمة تتقبل قراءاته
الثابتة، عن رسول الله ص، كما تلقاها جبريل عن رب العزة،
وكان العلماء ببلادنا يدرسون قراءاته كلها وحفظوها وصنفوا
فيها التصانيف، ولم يمنع ذلك جمهورهم عن التمسك برواية
ورش، التي أخذ بها المغاربة منذ أقدم العصور، ورواية
حفص من الروايات الصحيحة الثابتة، وإنكارها لا يجوز
شرعا، وقد ذكر العلماء في الموضوع أن القراءات هي اختلاف
ألفاظ الوحي في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرها،
فهي وحي من الله، وقال أبو الخير ابن الجزري في كتاب
النشر: "كل قراءة وافقت اللغة العربية ولو بوجه
ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها
فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ولا يحل إنكارها بل
هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على كل
الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة
أو عن غيرهم من الأئمة المقبولين". وقال أبو شامة:
"القطع بأنها منزلة من عند الله واجب" وللاطلاع
على القراءات القرآنية فوائد منها: "الدلالة على
كتاب الله وحفظه من التبديل والتحريف مع كونه على هذه
الوجوه إعجاز القرآن في إيجازه، حيث تدل كل قراءة على
حكم شرعي دون تكرار اللفظ كقراءة (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم
إلى الكعبين) بالنصب والخفض في "وأرجلكم"
ففي قراءة النصب بيان لحكم غسل الرجل، وقراءة الجر بيان
لحكم المسح على الخفين، ومنها بيان ما يحتمل أن يكون
مجملا في قراءة أخرى، كقراءة "يطهرن" في قوله
تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) قراءة بالتشديد والتخفيف،
فقراءة التشديد مبينة لمعنى القراءة قراءة التخفيف عند
الجمهور، فالحائض لا يحل وطؤها إلا بالطهر من الحيض
أي انقطاع الدم، حتى تتطهر بالماء، وقراءة "والسارق
والسارقة فاقطعوا أيمانهما" بدلا من أيديهما ـ
فقد بينت ما يقطع، وكذلك قراءة (وله أخ وأخت من أم فلكل
واحد منهما السدس) وبينت المراد من الأخ والأخت في الآية،
ولكن الأمر في الحقيقة لا يتعلق برواية حفص ولا بالغيرة
على قراءة ورش.
فالجهة السالفة الذكر غير مختصة في الشؤون الدينية ووزير
الثقافة الحالي قال عن نفسه إنه غير فقيه، فكيف يتدخل
في أمر شرعي خارج عن اختصاصاته. وفي المغرب وزارة للأوقاف
كان ينبغي أن يسند إليها النظر في الموضوع إذا كان الأمر
متعلقا بأمر ديني، زيادة على المجالس العلمية التي يمكن
استشارتها في الموضوع، وكذلك رابطة علماء المغرب، ولم
يكن لتلك الجهة أي علاقة بالشأن الشرعي والمذهبي والفقه
المالكي ورواية حفص أو ورش أو غيرهما من الروايات، وليس
من اختصاصها رسم حدود سيادة الدولة وسياستها في المجال
الديني، إذ هو أمر من اختصاص إمارة المؤمنين، فلم يبق
إلا طرح هذا الافتراض وعدم الاعتداد به ويبقى الهاجس
التجاري والهاجس المذهبي وقضية دعم بعض الجهات الإسلامية
بموارد الكتاب العزيز، وهذه كلها علل تقتضي النظر بالنسبة
للتجارة ليست هناك قوانين تمنع بيع الكتاب العزيز وكتب
التراث ولا يمكن أن توجد مثل هذه القوانين في هذا البلد
المؤمن المسلم، الذي يوجد على رأسه أمير المؤمنين حامي
حمى الملة والدين، وكان من واجب هذه الجهة مراعاة ميول
زوار المعرض إلى اقتناء الكتاب العزيز وكتب التراث ومراعاة
حريتهم وعدم فرض كتب الحداثة المزعومة عليهم على سبيل
الاستبداد والحجر المتنافين مع القيم الديمقراطية، ولذلك
نطالب تلك الجهة بأن تعلم أنها مؤسسة للجميع لا لمذهب
خاص يستمد أصوله من فكر ما قبل سقوط جدار برلين، ولا
يمكن أن تكون فقط لكتب الجنس وأنشطة من قبيل الرقص الماجن
وأشرطة الأغاني الخليعة المصورة وغير المصورة وسوى ذلك
من الأعمال المنكرة، ولهذا تسجل رابطة العلماء انحراف
مفهوم الثقافة وترويج الثقافة الساقطة التي لا ترفع
رأسا، ولا تصلح بلدا ولا تحقق تنمية، ولا تحسن أخلاقا،
ولا تتجاوب مع أهداف العهد الجديد لمولانا أمير المؤمنين
ـ أعزه الله ونصره ـ في مجال الحفاظ على الهوية الدينية
والوطنية للأمة وإصلاح الإدارة والمجتمع ومقاومة الفساد.
وإن الرابطة إذ تحذر هذه الجهة من الحذو حذو صاحب خطة
مشروع إدماج المرأة في التنمية فإنها تدعو الأمة إلى
التمسك بالكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، غير
مفتونة بدعاة الفتنة والتغريب، وتدعو تلك الجهة إلى
أن تفكر ألف مرة قبل الإقدام على مثل هذه المبادرات
الخاطئة، وأن تستعين بالعلماء إن لزم الأمر لترشيد عملها،
وأن تحترم شعور الأمة وهويتها وحضارتها وتوائم بين القديم
والجديد في جو من التسامح واحترام القيم والعقيدة والانسجام
الفكري والخلقي والانفتاح المتبصر والابتعاد عن روح
الجدل والمراء، وتؤكد الرابطة عدم جواز اتخاذ أي قرار
بمنع بيع المصحف الكريم الذي تعبدنا الله بآياته وأمرنا
بتلاوته، وتعهد بحفظه، وسماه كتابا ونورا ووصف الكفار
بالمعرضين عنه ووصف المؤمنين بالخاشعين عند تلاوته،
قال تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا
العاملون) وقال (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا
نصفه أو أنقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)
وقال: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ويتذكر
أولوا الألباب) وقال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له
لحافظون) وقال عن الكافرين: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا
لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) وقال: (ألم يان
للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق
ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد
فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون).
فالكتاب
هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم،
ومنع طبعه أو بيعه يعني منع تداوله أو الحد من تداوله
على الأقل، سواء تعلق الأمر براوية ورش أو رواية حفص،
وهذا غير مقبول شرعا، وإن الرابطة من باب المحافظة على
أخلاق الأمة تذكر تلك الجهة بالقرارات والتوصيات الصادرة
عن مؤتمراتها في مجال ترشيد الإعلام المقروء والمسموع
ومنع مظاهر الخلاعة التي تطبعه، وتطالب الجهات المعنية
بالمساهمة البناءة في العمل الثقافي المنتظر منها في
مجال نشر تراث الثقافة المغربية والإسلامية وطبع المصحف
الشريف برواية ورش ومحاربة الأمية وإقامة معارض الثقافة
بالمدن والبوادي، وتعليم اللغة العربية وإصلاح المباني
الأثرية والتعريف بها، كما أنه لا يخفى على الجميع خطورة
منع بيع المصحف الكريم مع ما عرف عن ملوك الدولة العلوية
الشريفة من تمسك بالقرآن وعناية بطبعه وتداوله والتشجيع
على قراءته والعناية بقراءاته المتواترة الثابتة عن
الرسول، (ص) وتشبث الشعب المغربي المسلم بهذا المبدأ
العقدي الإسلامي باعتبار أن كل ذلك داخل في نطاق سيادة
الدولة المغربية التي تحترم القرآن وثقافته وعلومه وطريقة
أدائه ورواية قراءته المتواترة التي اختارت هذا الاتجاه
منذ أقدم العصور إلى العصر الحاضر، والسلام.
الأمانة
العامة لرابطة علماء المغرب
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*تثمن الرابطة بيان اللجنة الثقافية لحزب الاستقلال
في الموضوع والذي يعبر عن الالتزام بأصول المدرسة الإسلامية
للمرحوم الزعيم علال الفاسي رحمه الله.